روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
86
مشرب الأرواح
الفصل السادس والثلاثون : في الاستحسان إذا انفتح عين الرضا في وجه التوكل بنور الصدق وذهب غبار الطبيعة بصفاء الإخلاص ونور الاختصاص يرى ماهية الوجود وما يظهر منها من حسن اصطناع اللّه سبحانه في جميع الذرات وما ألبسها من سناء القدس وظهور عجائب بحار الملكوت بلباس الجبروت في سواحل الآيات يهيج سر المعرفة بنعت العشق والمحبة ويستحسن جميع مقدورات الغيب في لباس الأفعال فيرى في أسنان الأسد وعيون الأفاعي ما يرى في أسنان الحور وشرفات القصور ويستوي عنده رؤية الحسن والقبح لأنه في رؤية العظمة وهناك لا يبقى رسوم الحدثان واستوى أفعال القهر واللطف ويخرج من عين الكل جميع الأشياء بنعت واحد وفي ذلك مدح اللّه سبحانه نفسه تعالى في إيجاد الكون وما فيه وبيّن أن لا يصدر شيء منه إلا بكمال الحسن بقوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ السّجدة : 7 ] ، ومن غاية عرفانه صلوات اللّه عليه بما يبرز في مرآة الأشياء من أنوار المشاهدات أنه وفي في بحر ترائي الغيب في طلب رؤية أهلة الصفات في سر الآيات وسأل ما أخبر اللّه سبحانه عن صفاء محبة خليله في ترائي المشاهدة ورؤيته حسن الأزل في لباس شواهد الملكوت حيث قال : هذا ربي هذا ربي هذا ربي ، فسأل ما رأى الخليل بقوله : « اللهم أرنا الأشياء كما هي » وهو سبحانه إذا تجلى من شيء لشيء حسن ذلك الشيء بتجليه في عيون جميع المعارف والمشاهدين وإذا استتر عن شيء قبح ذلك الشيء في أعين الناظرين وذلك في مقام الأنس ، قال أحمد بن عطاء : في معنى المعرفة إنما قبحت المستقبحات باستتار وحسنت المستحسنات بتجليه ، قال العارف رضي اللّه عنه : استحسان الأشياء لا يكون إلا لمن يرى موجد الأشياء في الأشياء . الفصل السابع والثلاثون : في العهد إذا أحضر اللّه سبحانه جند الأرواح العاشقة في ديوان المشاهدة عرّفها نفسه بنعت الخطاب حيث قال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] ، فشهدت على ربوبيته فعهد اللّه سبحانه معها عهد العشق ، وأشهدها على العهد بأن لا يختار عليه شيئا دونه ، فهجرت من مكان الغيب ودخلت في الأشباح ونظرت في الأكوان وطلبت منها مكونها ، وما وقفت إلا باللّه على اللّه إلى مقام الرجوع فوصلت إلى معدنها بمزيد الشوق والعشق والاستيحاش عما دونه لأنها خلقت من الملكوت وليس لها قرار إلا في معادن القدس ورياض الأنس ، قال سبحانه : رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ